محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
310
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
قال سيدي أبو مدين : « الشيخ من شهدت له ذاتك بالتقديم ، وسرّك بالتعظيم ، الشيخ من هذبك بأخلاقه ، وأدبّك بإطراقه ، وأنار باطنك بإشراقه ، الشيخ من جمعك في حضوره وحفظك في مغيبه » . وقال المؤلف ، رحمه اللّه ، في « لطائف المنن » : « وليس شيخك من سمعت منه ، إنما شيخك من أخذت عنه ، وليس شيخك من واجهتك عبارته إنما شيخك الذي أثرت فيه إشارته ، وليس شيخك من دعاك إلى الباب ، إنما شيخك من رفع بينك وبينه الحجاب ، وليس شيخك من واجهك مقاله إنما شيخك الذي نهض بك حاله ، شيخك هو الذي أخرجك من سجن الهوى ودخل بك على المولى ، فإن شيخك هو الذي ما زال يجلو مرآة قلبك حتى تحلّت فيه أنوار ربك ، نهض بك إلى اللّه فنهضت إليه ، وسار بك حتى وصلت إليه ، ولا زال محاذيا لك حتى ألقاك بين يديه فزجّ « 1 » بك في أنوار الحضرة وقال : ها أنت وربك » . انتهى . وآداب المريد مع الشيخ ، والشيخ مع المريد كثرة مذكورة في كتب الأئمة الصوفية رضي اللّه عنهم ، ومن أبلغ ذلك وأوجزه ما ذكره الإمام أبو القاسم القشيري ، رضي اللّه تعالى عنه ، قال : « فشروط المريد أن لا يتنفس نفسا إلا بإذن شيخه ، ومن خالف شيخه في نفسه سرا أو جهرا فسوف يرى غبّه « 2 » من غير ما يحبه سريعا . ومخالفة الشيوخ فيما يسرّونه منهم أشد مما يكابدونه بالجهر وأكثر ، لأن هذا يلتحق بالخيانة . ومن خالف شيخه لم يشم رائحة الصدق ، فإن برز منه شيء من ذلك فعليه بسرعة الاعتذار والإفصاح عمّا حصل منه من المخالفة والخيانة ليهديه شيخه إلى ما فيه كفّارة جرمه ، ويلتزم في الغرامة ما يحكم به عليه ، فإذا رجع المريد إلى شيخه بالصدق وجب على شيخه جبران تقصيره بهمّته ؛ فإن المريدين عيال على شيوخهم ، فرض عليهم أن ينفقوا من قوت أحوالهم ما يكون جبرانا لتقصيرهم » انتهى . وقال الشيخ العارف محيي الدين أبو العباس البوني « 3 » ، رحمه اللّه تعالى ، إياك أن تحقر فعلا يخطر لك أن لا تلقيه إلى الشيخ طاعة كان أو معصية على أيّ نوع برز لك ، ولو اختلف عليك ألف مرة في ساعة اختلف إليه ألف ساعة في الخاطر ليعلمك الدواء
--> ( 1 ) زج : رمى . ( 2 ) الغب : العاقبة . ( 3 ) هو أحمد بن علي بن يوسف ( توفي 622 ه - 1225 م ) أبو العباس البوني ، صاحب المصنفات في علم « الحروف » متصوف مغربي الأصل نسبته إلى بونة . توفي بالقاهرة . له « شمس المعارف الكبرى » وغيره . ( الأعلام 1 / 174 ، وكشف الظنون 2 / 1062 ، وهدية العارفين 1 / 90 ) .